Normal
0
21
false
false
false
MicrosoftInternetExplorer4
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}
تعــالق الغـــرائبـي بالمرجعــي الواقعـــي
في روايةالشاعر و الروائي التونسي عبد الجبار العش «وقائع المدينة الغريبة»
الناقد المغربي لحسن أحمامة
يزج بنا الشاعر و الروائي التونسي عبد الجبار العش من خلال روايته « وقائع المدينة الغريبة» في عوالم تشذ عن المألوف، و تجعلنا نتأرجح بين ما هو واقعي وغير واقعي. فالغريب ينطلق من العنوان، حيث هو ميثاق يعقده المؤلف الضمني مع القارئ المفترض الذي يتوجه إليه النص. بل قد نقول الراوي (نذير الحالمي) المدفوع بواجب غامض لرواية كل ما حدث، و المخاطُب كبنية نصية داخل هذا المتخيل الحكائي. ولئن كانت الرواية في بنائها السردي تتكئ على بناء تقليدي، فإنها تنزع إلى خلق عوالم مفارقة للواقع منذ الوهلة الأولى ، فإنها مع ذلك تظل مرتبطة بالواقع الحقيقي. ولعل عنصر الغريب هو العنصر المهيمن في النص و المفتاح الذي يقود إلى تأويله في سياق القراءة الاستقرائية للنص في كليته.لكن لنصدق الحكاية ونكذب الراوي على حد تعبير فورستر.
تحكي الرواية قصة جماعة من الشعراء و الفنانين و المفكرين تؤمن بالموت قبل فوات الأوان، و تنتحر، ملقية بذواتها في نار تكون الكتب و القطع الفنية حطبا لها. وبعد الانتحار، يقع حادث غريب يتمثل في غور عروق قدمي فنان فاشل في الأرض، و يلتصق بالأرض ولن يبرحها إلا ميتا. بعد ذلك تستشري الآفة في المدينة، و بمقتضى ذلك تتغير القوانين والنصوص لضبط المجتمع بعد حدوث انقلاب سياسي تقوده الجبهة الدينية، بالإضافة إلى الهجمة الشرسة للتكنولوجيا و مظاهر العولمة التي تنذر بخواء الروح، واللهاث خلف المال مع الضرب بعرض الحائط كل القيم الإنسانية. و ليس هذا فقط، بل تجتاح المدينة آفات أخرى مثل استحالة فتح الأقفال و الأبواب، وما شابه ذلك من لعنات. و لمواجهة ذلك، يلتجئ الناس إلى ممارسات غيبية لرفع هذه اللعنة، ليسدل ستار الرواية، وتظل دار لقمان على حالها.
تلكم هي القصة المصفاة من الخطاب الروائي. لكن قبل الحديث عن ذلك، لنستقرئ العنوان باعتباره مفتاحا و عتبة لولوج عوالم النص، و أعلى اقتصاد له. قد نقرأ العنوان بصيغتين مختلفتين. وقائع المدينة الغريبةُ أو وقائع المدينةِ الغريبةِ. قد تحيل لفظة الغريبة إلى كل من الوقائع و إلى المدينة. فالوقائع غريبة و كذلك الأمر بالنسبة للمدينة. و لعل عدم وضع حركات على اللفظة الأخيرة ‘الغريبة’ تنكير للمدينة بوصفها مدينة غريبة لا اسم لها. كما أن الوقائع غريبة تستدعي استكناهها بهدف الوصول إلى الدلالة الثاوية خلفها. يقول تودروف:» إذا ما قرر القارئ أو الشخصية أن قوانين الطبيعة تظل ثابتة، و تسمح بتفسير الظواهر الموصوفة، نقول إن العمل الأدبي يرتبط بجنس آخر هو الغريب»l?étrange» (مدخل إلى الأدب العجائبي،ص.46). و إذ نسلم بذلك مع هذا الباحث، نقول إن الوقائع الغريبة لا يمكن تفسيرها إلا بالنظر إلى السياق العام الذي يحكم النص في إطار حركة دائبة من الخارج إلى الداخل و العكس. ولئن كانت المدينة الغريبة و المجهولة الاسم تجد نظيرها في الواقع الحقيقي من خلال قوانينها و أمكنتها و شخصياتها، فإن ذلك لا يصل بها إلى درجة البعد العجائبي أو الخارق. كما أن بعض الأحداث المرتبطة بها ذات علاقة بواقع الحياة العادية للشخصيات داخل المجتمع، أي أن الشخصيات ذات مرجع واقعي من خلال أسماءها، و كذلك البنيات التحتية للمدينة: الشوارع، و بعض الفضاءات ، مثل المقهى الذي يتحول جزء من داخله إلى مرحاض يجلس عليه صالح العوادجي المصاب الأول بآفة الالتصاق.
تشكل كذلك صورة الغلاف مكونا هاما لولوج عالم النص. فهي لرجل جالسن عاري الرجلين حتى الركبتين، مائل برأسه إلى اليسار، بابتسامة عريضة غامضة، و يشير بسبابة يده اليمنى إلى من يأخذ الكتاب بين يديه. و ربما تحيلنا هذه الحركة إلى تلك الصورة/ الإعلان الذي ذاع صيته خلال الحرب العالمية الثانية. و يظهر فيها جندي ذو رتبة هامة، يشير بإصبعه إلى أبناء وطنه، و فوق رأسه كتبت عبارة « وطنك بحاجة إليك». أما صورة الغلاف، فكأنما الرجل الجالس يقول للقارئ:» أنت !». ولعل هذه الإشارة ذات دلالة بحيث تستفزنا لقراءة النص. لكن حالة الانتهاء من فعل القراءة، قد نضيف إلى الضمير»أنت» ألفاظا أخرى لتصبح الجملة/ السؤال: « أنت ! ما الذي بوسعك فعله إذا ما وجدت نفسك في وضعية صالح العوادجي؟» هذه الفرضية تجعل الأدب، أو التخييل السردي بصفة عامة، يلتقي مع المعادلة الرياضية التي تفترض مثلا أن أ +ب = ج كنتيجة حتمية. و بالمثل، فإذا جاءت الشخصيات على الشكل التالي+ الأحداث و الوقائع، فإنها لا محالة تفضي إلى نتائج معينة.
و إذا كان العنوان و صورة الغلاف، كما رأينا، قد ساعدنا على طرح أسئلة هامة لفهم النص، فإنهما غير كافيين لإدراك الأفق الدلالي، إذ لإدراكه، يتعين الولوج إلى النص و النظر إلى بنيته لاستكناه العلاقة القائمة بين الغريب و المعتاد. فالكاتب لا يصدر عن أشياء لا يعيها، وإنما عن أشياء ذات أهمية بالغة استضمرها النص. وهكذا، لا يمكن الوقوف على الدلالات إلا في سياق العلاقة التبادلية بين النص و القارئ و السياقات التي حكمت تخلقه.
في بنيته،يتشكل هذا المتخيل الروائي من ستة فصول غير معنونة، و غير مرقمة، وفصول معنونة بأيام الأسبوع من الجمعة إلى الجمعة تصف طقوسا دينية و ممارسات غيبية معنونة بهذه الممارسات. و إذا كانت هذه الفصول الثمانية ترصد هذه الممارسات لطرد اللعنة، فالفصول الأخرى ـ أي الأولى ـ تجميع لحكايات، علما بأن الخيط الناظم للنص في كليته هو الراوي المتماثل القص، نذير الحالمي المدفوع بواجب غامض لرواية ما حدث. هذه الحكايات هي: حكاية الانتحار الجماعي، حكاية صالح العوادجي، حكاية زمبيطة، حكاية شتل، حكاية الرجل الذي تلتصق رجلاه بأرضية الجامع، حكاية الشيخ الثري الانتهازي، حكاية الرجل الذي يرهن سنوات عمره مقابل تأمين قوت عائلته، حكاية الرجل الذي يتجاهله الجميع، حكاية زوجة الشيخ الشابة و روفة رَزوار، و حكاية الحلم الذي يراه الراوي و المتمثل في القصة التي يرويها الشيخ في الحلقة عن شتل و نوويرة، دون أن ننسى بعضا من السيرة الذاتية للراوي، و واقعة الانقلاب الذي تقوده الجبهة الدينية لإحكام السيطرة على المدينة، و حكاية التحول الناتج عن دخول التحديث و العولمة.
تستهل الرواية بفعل استباقي يحيل على الانتحار الجماعي لرهط من الشعراء و الفنانين و المفكرين. و بعد حادثة الالتصاق بالكرسي و بالأرض، وبناء مرحاض يجلس عليه صالح العوادجي المصاب، تعود الحكاية الأولى لتوسع من دائرة الحكي. لكن ما هي العلاقة بين فعل الانتحار، وانتشار عدوى الالتصاق بالأرض و الحكايات الأخرى؟ و لماذا تحويل الكتب و اللوحات و القطع الفنية إلى حطب مشتعل تشوى عليه جلود المنتحرين؟ ثم ماذا تعني الجملة المكتوبة على الورقة الصغيرة التي تتركها الجماعة المنتحرة:» عالمكم.. زمنكم.. خراء»(ص.31)، علما بأن الجماعة تؤمن بفكرة الموت قبل الأوان؟ و أي أوان؟ يمكن اعتبار هذه الجملة كعبارة مركزية في النص. ففوات الأوان متمثل في ما يحدث بعد ذلك من أحداث. و إذا كان الانتحار إحدى صيغ الاحتجاج، وبصقة في وجه الإله على حد تعبير إحدى شخصيات رواية «ذاكرة الجسد» ل أحلام مستغانمي، و إذا كان حرق الكتب و الآثار الفنية قتلا للمعرفة و الفن، فإن فعل الالتصاق بالأرض هو الحد من حريات الفرد و شل حركته. حين يقول الكهربائي إن عليه أن يعود إلى منزله باكرا « لأن زوجته لا ترحم، يعقب الراوي، نذير الحالمي، : « هذا في حاجة إلى مرحاض»(ص39). إذ بدل أن يذهب صالح العوادجي إلى المرحاض، يؤتى إليه به، و يظل جالسا عليه إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:» هل فكرتم كيف سيتغوط ويتبول؟ هل لديكم حل خاصة و أنه محكوم عليه بناء على هذا الوضع، بأن لا ينتقل إلى أي مكان؟»(ص32) هذا ما يقوله الطبيب. و بعد أن يؤول صالح










































