ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاسم: عبد الجبار العش
البلد: تونس
التصنيفات : خاصة,ثقافة وفن,أدب وكتب,تسلية وأفلام وتلفزيون,الأسرة والأصدقاء,الموضة والحياة,ألحان وأنغام,تصاميم,رياضة,سفر وتجوال,عام,المرأة
أظهر كافة المعلومات
| ► | سبتمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | ||









هنا موقع النباح الحُر.. موقع الكلاب الشريدة.. الضّالّة التي لا مأوى لها
موقع المنبوذين والمهمّشين
موقع المبدعين المنتصرين لإنسانيّة الإنسان
هنا صوت من لا صوت له
========================
فيلم وثائقي للمخرج عادل بكري من وحي قصيد جلنار لعبد الجبار العش
بقلم : كمال الرباحي - الجزبرة الوثائقية -
في قاعة الفن الرابع تابعت الجماهير بانتباه فيلم " سأصير …شاعرا "لعادل بكري
وهو من الأفلام التونسية التي أثارت جدلا واسعا ونقاشا طويلا بقاعة الفن الرابع فيلم " سأصير شاعرا " للمخرج التونسي المقيم بايطاليا عادل بكر كان مفاجأة فقد عزف هذا الفيلم عزفا منفردا بتقديمه رؤية سينمائية مختلفة قائمة على سبر أغوار الاوتوبيوغرافيا والبيوغرافيا معا والترحال عبر الأمكنة والحفر في تجاعيد الذاكرة العجوز.حيث عاد عادل بكري إلى تونس بعد عشرين سنة بحثا أصدقائه القدامى :عازف العود الشهير عادل بوعلاق والشاعر والروائي المتمرد عبد الجبار العش .ومن خلال قصائد هذا الأخير وأنغام الأول تنشط حركة كاميرا عادل بكري مستسلمة لتل

قد يكون مستغرباً ألا تلقى رواية «محاكمة كلب» للكاتب التونسي الشاب عبدالجبار العش أي صدى عربي فتظل وقفاً على الأوساط التونسية التي رحبت بها أيّما ترحاب. هذه الرواية التي مضى عام على صدورها تستحق فعلاً أن تخترق حصارها المحلي وأن تخرج الى الساحة العربية، فهي فريدة في مادتها السردية كما في لعبتها الخطرة والجريئة. ولئن اعترى بنيتها أو لغتها شيء من وهن فإن مناخها غاية في الطرافة والفانتازيا السوداء. رواية لا تخلو من القسوة «التطهيرية»، يستحيل الراوي فيها كلباً يقف أمام القاضي في المحكمة لا ليدافع عن نفسه بل ليعلن «كلبيته» ضد العالم المتسلط وضد الجماعة والفرد على السواء. لم يُمسخ الراوي الذي يُدعى «عرّوب الفالت» كلباً كما مُسخ بطل كافكا في رواية «التحوّل» حشرة، بل هو الذي اختار هذه الصفة متمرّداً على الواقع والتاريخ وعلى القدر الذي خذله. وعندما يسأله رئيس المحكمة عن هويته يقول جهاراً وقد شعر أن النباح يملأ فمه: «أنا كلب». وعلى غرار جوزف. ك في رواية كافكا أيضاً «المحاكمة» يساق هذا المواطن المقهور الى المحكمة من دون أي تهمة. وبين المحكمة والزنزانة يكتب عبدالجبار العش ما يشبه السيرة الذاتية على لسان الراوي الذي اختار وفق ارادته أن يكون كلباً، ساعياً الى مواجهة العالم في مرآة ذاته المكسورة. وتبلغ به الجرأة أوْجها عندما يُعرب في ختام الرواية عن الحقيقة التي دفعته الى التماهي في صورة الكلب فاذا هو ابن غير شرعي، تبنّته عائلة بعدما ولد سفاحاً، وكانت أمه حاولت خنقه طفلاً لتتخلص من هذا الأثم أو العار، وفشلت فعاش وكأن الحياة عقابه كما يعبّر. ويعمد الكاتب الى فضح حياته على طريقة محمد شكري في «الخبز الحافي» فيعترف أنه اغتصب طفلاً وأنه ظل فترة في حال من العجز الجنسي. ويروي كيف التقى أمّه لاحقاً واكتشف انه لا يحقد عليها، وكيف أهدته منديلاً ليظل يشمّ رائحتها. أما الأب فهو مجهول ولا يمكن التعرّف اليه، ما دامت الأم نفسها تجهله بعدما اغتصبها أكثر من رجل.
هذه الرواية التي وقعــت بيـــن يديّ مـــصادفة ليست غريبة عما يُسمى «الأدب الحافي» الذي كان محمد شـــكري رائده عربياً مثلما كان جان جينه رائده فرنسياً. وفي الرواية هذه يظــهر أثر هذين الكاتبين مضـــافاً اليه أثر كافكاوي عميق. لكن عبدالجبار العش ينحو منحى روائياً جامعاً بين الـــسيرة الذاتية المفضوحة أو «الفضائحية» والفن الروائي. فهو لا يكتب سيرته بحسب معايير السيرة الذاتية بل يختبئ وراء قناع الراو

خميسيات آدم فتحي

ذاك هو عنوان الرواية التونسية الجديدة التي أريد التنويه بها في هذه الكلمات .
عرفت عبد الجبار العش على امتداد أكثر من خمس وعشرين سنة ، جمعتنا خلالها الأمسيات الشعرية ،جوالين في أنحاء البلاد من أقصاها إلى أقصاها ، صحبة أصدقاء بعضهم رحل (كبلقاسم اليعقوبي ومحمد البقلوطي ورضا الجلالي وآخرين ) وبعضهم طوّحت به الغربة (ككمال الغالي وكمال بوعجيلة وغيرهما …) .
نهارات وليال أتاحت لنا فرص التوغل في حقيقة جيلنا وبلادنا والعالم من حولنا ، كما أتاحت لنا فرص التوغل أحدنا في حقيقة الآخر، في الوجع الحي والجراح الدفينة المتلبسة لمظهر المرح المشاكس أحيانا الوقح في أحيان أخرى، المتكتم على روح طفل يتيم هش فقير إلى الحب والحرية في كل الأحيان ..
لذلك لم يفاجئني بروز الروائي فيه مع توالي رواياته الجميلة : وقائع المدينة الغريبة ، أفريقستان ، وأخيرا محاكمة كلب، عنوان روايته الأحدث حتى الآن ، الصادرة عن دار الجنوب (2007) ضمن سلسلة عيون المعاصرة …
في هذه الرواية، على غرار ما فعل في روايتيه السابقتين ، استطاع عبد الجبار العش أن يقول ذاته وذواتنا بجمال ونقد وسخرية لا يقدر عليها إلا المحبّون الكبار و الكتّاب المهرة .كما تمكن من تفجير طاقته السردية اللعبية الهائلة التي لم تغب عن مجموعاته الشعرية (كاسيت أشعار1988 ، مجموعة جلّنار 1997 ، قرص قصائد باللهجة العاميّة 2005) لكنها وجدت في العمل الروائي أفقها الرحب ، لتتجلى كأعمق وأجمل ما يكون .
فى مدح الحذاء مع معرض لأحذية الزيدى
عبر الشعر والنكات والتهاني المتبادلة
شعراء وظرفاء عرب يحتفون بـالحذاء ويعتبرون الزيدي بطلا قوميًّا
شقيق الزيدي يستعرض أحذية منتظر للمصورين
دبي - فراج إسماعيل
العربية نت
شهدت المنطقة العربية خلال الثماني وأربعين ساعة الماضية مهرجانات من الشعر والنكات ورسائل المحمول المحملة بالتهاني والتبريكات برمية فردتي حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي في اتجاه الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم الأحد الماضي.
وخصصت بعض القنوات الفضائية معظم برامجها لما اعتبرته فتحًا عربيًّا جديدًا، مستضيفة شخصيات عامة وصحافيين وشعراء، ليعلنوا عن احتفائهم برمية الحذاء، واعتبار الزيدي بطلا قوميًّا جديدًا من عينة أبطال العرب والمسلمين التاريخيين.
بعنوان في رمي الحذاء على بوش في بغداد كتب الشيخ حامد العلي قصيدة يقول مطلعها:
قال الحذاءُ فأُسكت الخطباءُ * هذي لعمري خطبةٌ عصماءُ
وتفجَّرت بين الجموعِ حروفُه * فُصحى، يُجلُّ بيانهَا البلغاءُ
مدَّ الحذاءُ إلى الرئيسِ تحيةً * وتلا بثانيةٍ، فحُقَّ ثناءُ
إنيّ لأشْكرُ للحذاءِ خطابَه * فالشِّعرُ مكرمةٌ له، وحِباءُ
وبعث الشاعر الفلسطيني المقيم في السعودية عيسى العدوي تحياته للحذاء وصاحبه عبر قصيدة تحية إلى الحذاء العربي البغدادي يقول مطلعها:
هذا مساء زها في ليله قمرُ * بدرًا تلألأ في بغداد منتظَرُ
يا قاصف الرعد من كفيك قد هطلت * تلك النعال على المحتل تنهمر
قد لاحقته سيول الرجم إذ نفرت * تلك الحشود إلى بغداد تعتمر
ووصف الشاعر اليمني محمد المطري الحذاء بأنه رمز العز، ممتدحًا راميه منتظر الزيدي وما اعتبره جسارة منه وشجاعة، مهاجمًا كل من اعتبره خارجًا عن المعايير المهنية للصحفي.
وقال في قصيدته:
حذاء العز في وجه الحقارة * رمى به منتظر تسلم يمينه
أنا أشهد أن فيه قوة وجسارة * خسئ من قال مخطئ أو يدينه
فخلي بوش يحتل الصدارة * وختم النعل مرسوم في جبينه
أطلق حذاءك
وكتب الإعلامي محمد نصيف قصيدة أطلق حذاءك وجاء فيها:
أطلقْ حذاءَكَ تَسلمْ إنهُ قدرُ * فالقولُ يا قومُ ما قد قالَ منتظرُ
يا ابنَ العراق جوابٌ قلتهُ علنا * على الملا، وبه قولُ العراقيينَ يختصرُ
أطلقْ حذاءَكَ ألجمْ كلَّ منْ جبنوا * وقامروا بمصير الشعب وأتمروا
هذا العراق وهذا الطبع في دمِنا * الغيظ جمرٌ على الأضلاع يستعرُ
أطلقْ حذاءكَ يا حرّاً فداكَ أبي * بما فعلتَ عراقُ المجد ينتصرُ
ارفعْ حذاءكَ وليُنصَبْ فوقَ هامتِهم * تاجاً يليقُ بمنْ خانوا ومنْ غدَرُوا
هذي الشجاعة لم ندهشْ لثورتها * هذي الرجالُ إذا الأفعالُ تختبرُ
هذي المدارسُ والأيام شاهدة * فسلْ عن الأمر ِفي الميدان مَنْ حَضَرُوا
هذي المواقفُ لم يرهبْ رجولتنا * حشدُ اللئام ولم نعبأ بمَنْ كثرُوا
يا أمَّ منتظر بوركت والدة * اليوم فيك العراقيات تفتخرُ
إنّ النساءَ تمنتْ كلُّ واحدة * لو أنّ منْ حملتْ في الأرحام مُنتظرُ
يا أمَّ هذا الفتى المقدام لا تهني * فإنَّ مثلك معقودٌ بها الظفرُ
يا أمَّ منتظر لا تحملي كدرًا * منْ تنجب الأسدَ لا يقربْ لها الكدرُ
خمس ٌمنَ السنوات ِالليل ما برحَتْ * فيه الهواجس مسكوناً بها الخطرُ
كم حرّة بدموع القهر قد كتمتْ * نوحاً تحرَّقَ فيه السمع والبصرُ
كم حرّة وَأدَتْ في القلب حسرتها * تبكي شبابا على الألقاب قد نحروا
كم حرّة بسياط العار قد جلدَتْ * وسترُها بيد الأنذال ينتحرُ
كم حرقة مزّقتْ أضلاعنا أسَفا * كم دمعة في غياب الأهل تنهمرُ
يحقُّ أنْ تهْنئي يا أمَّ مُنتظر * ما كلُّ منْ أرضَعتْ قد سرّها الكِبَرُ
نعم الحذاء
أما الاعلامي مصطفى الأنصاري فكتب قصيدة نعم الحذاء وفيها:
نعم الحذاء فدتك البدو والحضر
ونعم ما صنعت كفاك (منتظرُ)
نعم الحذاء كوى وجها تظلله
غمامة الحقد، بالسوءات يشتهر
حتى غدا مثلاً، في القبح كلّله
ماض شنيء، به التاريخ ينتحر
فكل حر بما أودعت مغتبط
إلا جنوداً على الأطراف تحتضر
ترى اليمين يساراً كيفما عظمت
والفخر ذلاً، إذا الرايات والظفر..
وتحتسي العار حلواً عند سيدها
وتأكل التبن قهراً إن بدا الخطر
***
أرهبتهم بحذاء، بز آلتهم
وودع البوش، سحقاً وهو محتقر
بلى بذلت سخياً ساعةً عصفت
بنا الهموم، وبالآهات ننفجر
ثأرت أنصفت أرضاً كان ديدنها
دحر الطغاة، وبالأمجاد تفتخر
أبّنت فيها جنود الغزو مقبلة
وآل حكم على الأسوار تندحر
حكومة كُسيت سوء السواد كما
جمعت أنت خلال الحسن تأتزر
كنت الحسين غداة الكر مقتتلاً
وكان خصمك شر الناس ينكسر
وهكذا أنت بَرٌ، لست منتحلاً
كما العمائم في بغداد تعتمر
*****
نعم الحذاء سقى بغداد ما ارتقبت
منذ الجدود، بنو العباس تنتظر

إنّ كلّ نص يروم أن يكون إبداعيا يرتقي إلى مستوى الأثر الفنّيّ. يفترض فيه أن يكون استثنائيا بمعنى الانفصال عن التراث السردي الحكائيّ وبمعنى الانغراس في الواقع وإعادة تشكيله وليس تصويره بشكل فولكلوريّ كما تعوّدت أن تفعله بعض النصوص الأدبية والأفلام السينمائية خاصّة ثمّ بمعنى التعبير عن آمال وآلام عن طموحات وانكساركنه قاوم.
أغاني الشيخ إمام وفيروز ومارسال خليفة، وتعلم على حسين مروة ومهدي وعامل قاوم لأنّه ما فتئ يعبر عن ذاته رغم الغلق والتكميم والإبعاد، إنّه جيل شقيق للدولة الفتية إمّا توأم أو أكبر قليلا أو أصغر قليلا. جيل تربّى على وإدوارد سعيد، وتغنى بجيفارا وهو شي منه وأكينو وروزا لوكسمبورغ، جيل استبطن سبينوزا نيتشه وفوكو… فكان جيلا مجنونا ثات وليس التأريخ الوصفي التوثيقيّ.
بهذا المعنى كانت هناك بعض الاستثناءات الأدبية لجيل طالما قبع تحت ظلال القامات الطويلة واقعيّا والقصيرة فعليا -عدا بعض الاستثناءات- جيل ظلّ منبوذا مقصيا ومخصيّا، لكنه قاوم في صمت وعزلة ربما، ولائرا على الموانع والحدود، جيلا مسكونا بحبّه للبلاد رغم القمع فأوقف، وحوكم، وسجن، وعُذّب وجُنّد، دون أن تنطفئ شعلة وفائه للمبادئ والأحلام وإن خبت أحيانا.
وكمثال أوّل على هذه النصوص، سنأخذ الرواية الأخيرة لعبد الجبار العش محاكمة كلب الصادرة عن دار الجنوب.
إنّ هذا النصّ يوقعنا منذ البداية في نوع من الحيرة والإبهام، فنحن لا نعرف من يحاكم من؟ هل أنّها محكمة على الطراز القروسطي-انتصبت لتحاكم كلبا أو مستكلبا أم أنّه استدعاء الراوي لمحكمة يحاكم من خلالها الماضي عابر الحاضر نحو المستقبل في رحلة عبر أرض موحلة بدأها ككلّ الأطفال منغمرا حتّى الركبتين في طين الحياة (ص60) تغمرها عديد الروائح الآتية من الستينات وبداية السبعينات رائحة دلو البئر المطاطي المدبوغ بالقطران رائحة البق المقعوس خلف حصير الحائط، رائحة العرق النائم في حلفاء الحشية (ص32) لتمتزج بروائح اصطناعية معاصرة رائحة مطاط أحذية قديمة، رائحة عطر مغشوش…رائحة لبان وأحمر شفاه (ص156) وبين هذه المحطّات تتوزّع الذكريات والخيبات الممزوجة بالحكم.
ذكريات طفولة بائسة، فقيرة ميّزت حياة معظم أبناء تلك الفترة، طفولة قد تكون الوجبة فيهاخبز مبلول محلّى بالسكر (ص143) طفولة الأرجل الحافية المشقوقة بشظايا الزجاج المتربصة داخل التربة، وشج الرأس في عراك الحجارة، وجرح لا يوقف نزفه إلا قبضة تراب أو حفنات متتالية من البن (ص72) لتزهر تمرّدا و أحلاما ثورية اقتداء ببعض الأبطال التاريخيين، فتؤسس بملك لحظة وعي بدئيّ، وانخراط أوّليّ في هموم الواقع من خلال نوادي السينما والقصّة وخاصّة المطالعات ومحاولات الكتابة الأولى، إنّها لحظة طرح الأسئلة الوجودية الأولى (ص68) ومحاولة إثبات الذات وخطو الخطوات الأولى باتجاه رسم أفق أحلى فيقول الراوي كنت أشكو لبياض الورق … وبدأت مشاعر التمرّدفي التشكل إثر قراءتي الرواية بعنوان سبارتاكيس أو ثورة العبيد على أباطرة روما كنت أجد متنفسا في التحرّكات التلمذية الثائرة على المستقبلالغامض وعلى المؤامرة التي تحاك ضدّ الإنسانيّة من فيتينام إلى فلسطين (ص68) في انطلاقة شابّة نحو اكتشاف الذات والعالم، استعادة لزمن المغامرات الأولى مع الهزائم والانتصارات في عراك تحوّل من السيف والحصان والخشبيين إلى المواجهة الجسدية الفعلية، استعدادا لمواجهة جحافل البوليس.
زمن من التأرجح بين الجريمة والنضال سوف ينقسم عنده الأصدقاء إلى معسكرين مثلت الدراسة العنصر المحدّد فيه وقع طردي نهائيا ممن المعهد… كان عام التيه والضياع والتمرّد فصرت مهيّأ للأسوأ (ص68)على أنّ التمزّق النفسيّ الناجم عن تعايش نزوعي المتعلّم المهذّب، وابن الحيّ الفتوّة هو ما شكل هذا النوع المخصوص من المثقفين الملتصق بآمال وأحلام المهمّشين، والمشرّدين والمفقّرين، المعدمينالمجرمين، وهو ما يفسّر حضور علي شورّب الفتوّة الشهير في الإهداء إلى جانب شخصيات مبدعة في المسرح والشعر والقصّة، وحضور مجيد لاريجونس الوارد في هذيان الراوي، إلى جانب ظهور سابق لمجنون المدينة شتل في وقائع المدينة الغريبة، هذا النوع من المثقفين الذي اتهمت كتاباته بأنّها تحرّض على الشذوذ والفوضى (ص59).
إنّ هذا النصّ هو إبراز لواقع جيل مأزوم أفاق مع تهاطل الخمسينيات - خمسينيّة الاستقلال الدستور، البرلمان، الجامعة، الجيش والبوليس…- عليّ مضي أكثر من نصف عمره وهو لا يزال مهملا، نسيا منسيا جزاء لصموده أمام الفقر والقمع والمؤامرات المحاكة عليه بتواطؤ مع الإسلاميين، جيل تصدى لأماله وأفعاله شيوخ الاستبداد السلطوي وبارونات السياسة والثقافة، حاول عبد الجبار العشّ التعبير عنه في حكاية هي أقرب إلى اختزال لشخوص اج
لا مرثاةَ لائقةٌ بعجزك عن قراءته
شوقي بزيع الحياة -
5/10/08//

(الى محمود درويش)
لآن يمكن للقصيدةِ أن تعود الى منابعها
وللجسد المؤرَّق أن ينامْ
الآن والكلمات هائمةٌ بمفردها
على وجه البسيطةِ
تستطيع يداك أن تجدا طريقهما، بلا ضوءٍ،
الى المعنى
وعيناك المبقَّعتان بالأحزان
ترتدَّان عن فوضى البصيرة
مثل عكازين عمياوين
كي تتهجَّيا خفقان قلبك في الظلامْ
الآن تدرك أن كل كتابةٍ
عقدٌ نوقِّعه مع الشيطان أحياءً
وننجزه بحبر الموت،
كل قصيدةٍ جرحٌ نرمِّمه بلحم حضورنا الفاني
ونسقط في الختام
لا شيء بعدُ إذن لنفعلهُ
وقد فرغ الإناء من الكلامْ
لا شيء بعدُ إذن
سوى التحديق في ذهب البدايات
الموارى تحت أنقاض الحياة
وفي بلادٍ من ذبالات القصائد
لم تزل مدفونةً تحت الركامْ
لا شيء إلا أن تعاين ما استطعتَ
جذور شعركَ وهي تنشجُ
تحت مطرقة الثرى المهدوم
مثل أنوثةٍ عريتْ من الأوراق،
منتحلاً صفات الريح
وهي تقود بالجرس الذي يتقدم الرعيانَ
في جلعاد
قطعان الغمامْ
نضب الطريق من الخطى
والرحلة اكتملتْ
وعدت مضرجاً بالشعر نحو سرير نومكَ،
مثلما ولدتكَ أمك عدتَ
كيما تستعير من التماع يمامةٍ مذبوحة الأحلام
تحت سنابكِ الأعداء
أحزاناً مؤقتةً
وترقد في سلامْ
الرحلةُ الآن انتهت
ومحاجر الموتى التي تفتضُّ أعينها،
وقد تعبتْ من التحديق،
شربين السفوح
تضيء لك الطريق الى أريحا
والجبال تغمَّدتك بمخلب الأوجاع
وهي تسيل من جذع الغيوم الصَّلب
حتى بحَّة القصب الحنونِ
على ضفاف الأنهر الكسلى
لك الآن الخيارُ بأن تكون كما أردتَ:
جناحَ قُبّرةٍ يرفرف فوق أطلال الوجودِ
أو ابتسامةَ عاشقيْن على طريق الحبّ
أو أملاً يشيِّع بالدموع
غروب شمس اللاجئين الى الخيامْ
كم خطوةً تحتاج بعد
لكي تريح جبينك الذاوي على الصلصال،
أو تتنفس الصعداء من وعثاء نفسك؟
كم صباحاً رائقاً
لترى، وقد أصبحتَ أبعد من حدود الجاذبية،
ما تُعِدُّ لك الطبيعة في خزائنها العتيقةِ
من وساوس،
أيها المولود من عطش الوعود الى التحقُّقِ
والحروف الى تأنثها
ومن ظمأ السماء الى نبيٍّ
يُسرج الرؤيا كمعراجٍ
ويحملها الى البيت الحرامْ
آن الأوان لذلك الجسد المهشَّم كالزجاج
بأن توسِّده الثرى
آن الأوان لكي تنامْ
* * *
اليوم تلتمس القصيدةُ صمت شاعرها
لتكتب نفسها في صورةٍ أخرى
وتولد مثل أبطال الحكايات القديمةِ
من خيال مشيّعيك،
منكَّس الأهداب مثل سفينةٍ ترسو
بلا متنزهين على الرمال،
وطافحاً بالذكريات
لخنجرٍ في ظهر جنديٍّ يئنُّ على الحصى
ومتوَّجاً بالأقحوانْ
اليوم لا مثوىً يضمُّك غير ما اتَّحدَتْ به كفَّاكَ
من نزق التفرُّس في ضباب الشكلِ
أوغبش الدخانْ
أبديَّتانِ من الرؤى تتناهبان وجودك الشبحيّ،
واحدةٌ من الكلماتِ
والأخرى من الشهوات
فيما حول قبركَ،
حيث أربع سندياناتٍ تجوب الأرضَ
بحثاً عن شتاءٍ زائغ النظرات في عينيك،
تنهض آخر الحجب التي خبَّأتَ
في أحشائها ياقوتة المعنى
لتمحضك التفاتتها الأخيرةَ،
والسنابل كي تصدَّ الموتَ
عما كان شَعركَ قبل أن يذوي
ويلتحم الزمانُ مع المكانْ
ها أنت تمخر خائر الأهدابِ قوس أهلَّةٍ
مخنوقة العبرات
فوق صلاة أمِّك،
ها نباتاتُ الجليل الحانياتُ على طريق البيت
واللمعانُ شبه المأتميِّ لجنَّة الماضي
وها ذهبُ الشموس على صفيحِ
بيوتِ غزَّةَ
وهو يلفظ بغتةً أنفاسهُ
ويغوص في كبد الثرى قبل الأوانْ

هل تخليت عن الشعر بعد نجاحك الروائي ؟
حقا صوت الرواية الآن هو الأعلى أشعر أنني كما لو كنت مراهقا يكتشف اللذة كما لو كنت طفلا فرّ من دار الأيتام وعثر على أمّه . غير أنني لم أكفّ عن كتابة الشعر سجلت قرصا مظغوطا يتظمن قصائدي باللهجة العامية وسأنشر قبل نهاية السنة مجموعة شعرية جديدة . هذا لا يخفي حقيقة انشغالي التام بعوالم الرواية ، كلمات كثيرة كانت تتحجّر في حلقي والآن بدأت ألفظها ،الرواية بستان بلا سياج إنها برّية الأصوات المكتومة وملاذ الأرواح الشقية . لقد أنقذتني الرواية من الضياع ، فالجيل الشعري الذي كنت أنتمي إليه كان يرى في الشعر أداة ثورية كانت منابرنا الجامعات والتجمّعات العمّالية ونوادي السينما وغيرها من المنابر التي كنا نجد في رحابها هامش حرّية ، وحين انحسر الحراك الثقافي داخل هذه الأطر فقدنا أجنحتنا . نعم لا أخالنى أبالغ حين أقول إنني نجوت من موت محقق ، تمعّن ، لقد أمعن رضا الجلالي ومثله كاظم الثليجاني في النبيذ واليأس حد الموت ومات بلقاسم اليعقوبي والمهدي بن نصيب بشكل فاجع أمّا أنا فقد أنقذتني الرواية ونجى آدم فتحي بأعجوبة حين صار فارس القصيد الغنائي واختبأ أولاد أحمد في بيت الشعر مديرا إلى أن استردّ صوته ، وصار المنصف المزغني ناشرا فمديرا لبيت الشعر وأخذتك أنت نور الدين بالطيب غواية الصحافة ورحل كمال بوعجيلة إلى فرنسا . لقد أسندكل واحد منا ظهره إلى جداره ، وكانت الرواية جداري الأخير .. .
ترجمة روايتك محاكمة كلب كيف تقبلتها وكيف تفكر في الترجمة :
كان اختيار محاكمة كلب مع أسماء كعلي الدوعاجي ومصطفى الفارسي وعزالدين المدني وحسن نصر وعروسية النالوتي وغيرهم مفاجأة سارة .ولا أريد أن أتقمص دور البطل فاكتفي بالقول أنني فرضت نفسي بصدقي ومعاناتي وانحيازي إلى القيم الإنسانية النبيلة ، قلت لن أكتفي بهذا القول رغم صدقيته لأنني لست جحودا لهذا أضيف أنه باختيار محاكمة كلب لم يقع انصافي فحسب بل وقع إنصاف جيل من الكتاب الذين صنّفوا كمارقين ومشاكسين كما لا يغيب عن ذهني أنّ المشرفين على المركز الوطني للترجمة عرفوا بصدقيتهم ونزاهتهم وانحيازهم للابداع الصادق الهادف وعلى رأسهم الأستاذ محمد محجوب والمؤرخ الهادي التيمومي والشاعر محمد الغزي ، وفي هذا السياق أتذكر ما قاله السيد جون فونتان في آخر حوار نشر له عن الدعوة التي وجهت إليه منذ أكثر من عقدين للمساهمة في الاشراف على ترجمة الانتاج الفكري والأدبي في تونس فقدموا له كتابا ألفه محمد الصيّاح الذي كان أحد وجوه الحكومة في ذلك العهد فرفض وقدم استقالته من المهمة معتبرا أن ذلك التوجه لا يمثل حقيقة الابداع في تونس . لذلك تحدثت عن الإنصاف والذي أتمنى أن يطال كتابا آخرين تزخر بهم بلادنا . إنّ المركز الوطني للترجمة قد فتح الأبواب أمام الإبداع التونسي ليتحرر من القيود التي طالما كبلته ما جعل مؤلفاتنا غير معروفة حتى لدى جيراننا المغاربة والمشارقة ، لقد كتبت رواياتي بدمي وها أنني أقطف ثمرات معاناتي وصبري وأيضا صمودي أمام الذين حاولوا إحباطي .
انتماؤك إلى الهامش ودفاعك عن المهمشين من البسطاء والكتّاب هل هو رؤية مرتبطة بالكتابة :
الكتابة كانت المرآة لهذا الانتماء ، ولو لم ترتبط كتابتي بالهامش لكنت خائنا لجذوري وخائنا لرؤيتي للأشياء وللكون ، أنا لم أخن إلا طبقتي فقد عشت طفولتي الثان
ورقات ثقافيّة الصحافة العدد 67
الشاعر عبد الجبار العش يكتب عن الفنان التشكيلي رؤوف الكراي

أنسى قصائدي، أتناسى صرخاتها، أن :أنشرني ،ويأتي موسيقي، مسرحي أو رسام يعذ به الصمت المعرش حول صوته ولونه، فلا أستطيع إلا أن ألقي بحصى كلماتي في بركة اللامبالاة.
فها هو ذا ،رؤوف الكراي تشكيليا عالميا يعترف الآخر به ويدرجه ضمن أكبر فناني العصر، و(أكثرنا لا يعلم) في معجم عالمي .
الجميع يعشقون لوحاته التشكيلية و ملصقاته التي يعرض هذه الأيام نماذج منها غير أنه لم يقرأ كلمة حب واحدة حول ألوانه وأشكاله وأحزانه.وهو مع ذلك لا يبوح حتى لأصدقائه لذلك كتبت هذه الرسالة القصيدة الحوار، لكي لا يتوب عن جنونه الجميل.

البارحة يا صديقي…عدت إلى البيت وحيدا حانقا من هذه المدينة التي تنام باكرا…فكتبت:
إنها الساعة التاسعة ليلا
الحافلة تنقل آخر العمال والسكارى
الدراجات العادية والنارية
جاثمة أمام التلفزيون
تتابع المسلسل اليومي.
في الصباح
ستنتهز السيارات فرصة الضوء الأحمر
لتتبادل التعازي
فقد ماتت بطلة المسلسل
إنها الساعة التاسعة ليلا
سيارات الأجرة تصطف أمام محطة القطار
سائح يتأمل في حيرة جواز سفره
قاعة السنما تؤجل عرض الشريط الليلي
تنطفئ الأضواء أمام المسرح البلدي
إنها الساعة التاسعة ليلا
العمارات قبور عملاقة
يقطر منها ضوء صامت
سيارة الإسعاف تعبر بإمرأة حامل
طالب يبحث عن كشك لاشتراء علبة تبغ
دخان المصانع يحط على سطوح البيوت
ليغفو قليلا
البحر يلفظ أسماكه الموبوءة
عمال البلدية يصلون تباعا
إنها الساعة العاشرة ليلا
شاعر مخمور
مجنون باب البحر
دورية الشرطة
يقتحمون المدينة المقفرة
دفعة واحدة !
واليوم و أنا أقف مبهورا أمام لوحاتك أفهم فجأة لمَ تخلو ملصقاتك - رسومك من أشياء الليل كأن لا ليل هنا… فأقطفْ إذن ما يتداعى من طين أرواحنا وشكّل صلصالنا شجرا في ليل مدينتنا . شجر لا تتدلى ساعات اليد من أغصانه، شجر لا يمتطي حافلة الساعة التاسعة ،واهدمْ ناطحات السراب حيث تتناسل الدراجات والقطط ،وأعِد هندسة القبور الجماعية على قماش صمتك… عسانا نفرُّ من سواد قتامتها إلى تبرّج ألوانك فنحن من زمن لم نر حديقة …لونا ..أفقا سوى في ما تشكله أصابع الرسام..لم نر لونا يمشي على قدميه لم نر طفولة مدينتنا.
الفصل الثاني كنائية المدينة الروائية
من ”أسرار التخييل الروائي” تأليف نبيل سليمان

دراسة منشورات اتحادالكتاب العرب دمشق
في الفصل الرابع (رواية المدينة ومدينة الرواية) من كتابه (الرواية في القرن العشرين) (1) يرى جان إيف تادييه أن المدينة الروائية هي قبل كل شيء عالم من الكلام، سواء كانت انعكاساً أو انزياحاً.
وهي في ذلك قريبة من شخصية الرواية، وتنبغي معالجتها كفضاء أبدعته الكلمات. ومن المدن الروائية التي يُعنى بها تادييه مدينة هيليوبوليس التي عنونت رواية جنجر، والتي لا تشترك مع طيبة المصرية في شيء، وتفلت من المعايير الواقعية فيما هي تملي بنيتها. ويضيف تأدييه أنموذجاً آخر للمدينة الروائية، كالذي تبدى في رواية كافكا (المحاكمة) حيث تتلامح معالم براغ، وإن كانت الرواية لا تسمّيها.
تلك هي إذاً المدينة الروائية التي تتعين باسم مدينة بعينها، دون أن تحمل منها غير الاسم، وتلك هي أيضاً المدينة الروائية التي لا تتعين، وإن تكن تحمل من مدينة ما يعيّنها. وإلى هذه وتلك، ثمة المدينة الروائية التي تتعين في مدينة واقعية ـ قاهرة نجيب محفوظ مثلاً ـ وهي الأكثر حضوراً في الرواية بعامة.
في أي من هاته المدن الروائية الثلاث ينبغي التشديد على ما سماه ميشيل بوتور بالإحالة التخييلية بين الفضاء الواقعي والفضاء الروائي (2)، أو على ما سماه صلاح صالح بمثنوية الاتصال والانفصال بين المكان الخيالي والمكان الواقعي(3). أما غاية هذا التشديد فهي تقوم ـ مثل أسّه ـ في كنائية الفضاء المديني الروائي، حيث تشتغل استراتيجية اللاتعيين، فيكون للمعنى الجمالي نظامه أو أنظمته.
وسيكون تشغيل هذه الاستراتيجية، وجلاء تلك الكنائية وهذا المعنى، مناط دراستنا للرواية العربية التي لا تعيّن زمانها ولا مكانها، أو تكتفي من التعيين بالزمان، ذلك أن هذه (اللعبة) التي تواترت في التجربة الحداثية الروائية العربية منذ أكثر من عقدين، تواتراً لافتاً، باتت ظاهرة تذخر بالأسئلة. وربما كانت خماسية عبد الرحمن منيف (مدن الملح) المثال الأكبر لها، حيث قامت (حران) و(موران) كمدينتين روائيتين، وبدّل المكان ـ غالباً ـ داخل الجزيرة العربية مرجعيته، وإن تكن المطابقة بين الروائي والمرجعي ظلت يسيرة، بينما حافظ المكان خارج الجزيرة العربية على مرجعيته، وهو ما يعلله صلاح صالح بحرص الكاتب “على تعميم صورة هذه المدن المؤقتة المرتجلة وصلاحية عدها أنموذجاً، أو حالة نمطية لجميع المدن الأخرى المماثلة التي أنشأتها حضارة البترول وسياسات النهب الاستعماري أينما كانت” (4). ويذهب صلاح صالح إلى أن تبديل المكان لاسمه في (مدن الملح) لا يبدو محملاً بقيمة فكرية أو فنية صريحة، ويرجّح أن ذلك نابع “من حرص الكاتب على نسبة عمله الضخم إلى فن الرواية الخالص، ومنعه من الانضمام إلى التاريخ أو التوثيق التاريخي، إضافة إلى شيء من الرغبة في تأكيد افتراق روايته عن الرواية التاريخية التي تضع همها الأساسي في سرد الوقائع والأحداث كما جرت بالضبط (5).
من ذلك العهد (المبكر) لاستراتيجية اللاتعيين في المدينة الروائية، تأتي أيضاً ثلاثية إسماعيل فهد إسماعيل (المستنقعات الضوئية ـ الحبل ـ الضفاف الأخرى) حيث تومئ المدينة الروائية إلى بغداد.
وكذلك تأتي رواية حنان الشيخ (مسك الغزال) ورواية هاني الراهب (التلال) ورواية عبد الله خليفة (أغنية الماء والنار) ورواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب)، ورواية هشام القروي (ن) ورواية حميدة نعنع (الوطن في العينين) ورواية جيلالي خلاص (حمائم الشفق).
لكن نشاط استراتيجية اللاتعيين في المدينة الروائية سيدفق (دفقاً) من بعد، فيكتب عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا رواية (عالم بلا خرائط)، وهاشم غرايبة رواية (المقامة الرملية)، وسالم بن حميش (فتنة الرؤوس والنسوان)، وعزت القمحاوي (مدينة اللذة)، وعبد السلام العمري (اهبطوا مصر) ويوسف المحيميد (فخاخ الرائحة)، ورجاء عالم (حبّى).. ومن هذا (الدفق) ستركز هذه الدراسة قولها في الروايات التالية:
1 ـ بهاء طاهر: الحب في المنفى
تتسمّى المدينة الروائية في رواية بهاء طاهر (الحب في المنفى) (6) بحرف (ن). وإذا كانت الرواية ترمي بما ينسب مدينتها (ن) إلى الفضاء الأوروبي (الشمال ـ الغربة التي طردت القاهرة إليه راوي الرواية وبطلها)، فبالتعويل على ما هو معلوم من سيرة الكاتب، وعلى بعض أحداث الرواية، بالمقارنة مع رواية غادة السمان (ليلة المليار ـ 1985)؛ بذلك يُمكن للمرء أن يشخص للرواية الفضاء السويسري، فأية مدينة سويسرية هي إذاً مدينة (ن)؟
في هذه المدينة تعقد لجنة الأطباء الدولية لحقوق الإنسان مؤتمراً صحفياً حول انتهاكات حقوق الإنسان في شيلي، يشارك فيه الدكتور مولر الذي تهمه مدينة (ن) لأنها (ملتقى دولي). كما يشارك في المؤتمر: الراوي، وإبراهيم المحلاوي القادم من بيروت، والصحفي المناصر للقضية العربية: برنار، والذي سيكتب في جريدته (التقدم) عن مجازر صبرا وشاتيلا، كما يكتب عن بلده: “أصاب بلدنا الحر مرض غريب هذه الأيام. أصابه الخرس فلم ينطق شيئاً عن الجرائم ضد حقوق الإنسان ما دامت تأتي من الدولة العبرية”.
على إيقاع حرب 1982 في لبنان تعري الرواية الذات في وطن الآخر، وفي حضوره، سواء في علاقة بريجيت النسماوية بإبراهيم والراوي، أم في علاقة الشاب المصري يوسف والراوي بالأمير حامد. ويبدو أن المرجعية تصل بين الرواية، فيما يخص العلاقة الأخيرة، وبين رواية غادة السمان (ليلة المليار). فمقابل مشروع رغيد الزهران إصدار مجلة لتدجين المثقفين في هذه الرواية، يحاول الأمير حامد في رواية (الحب في المنفى) استقطاب الراوي ـ ليصدر جريدة لصفوة الأقلام القومية التقدمية ـ عن طريق يوسف مرة، وعن طريق بريجيت مرة، كما تكتب الروايتان عن المظاهرة التي تندد بجرائم الحرب الإسرائيلية في لبنان، وبمجازر صبرا وشاتيلا.
بخلاف رواية بهاء طاهر، تعيّن راوية غادة السمان فضاءها السويسري، وسنرى الراوي في رواية طاهر لا يفرق بين يمين ويسار في مدينة (ن). كما سنراه يحكم بأن الناس فيها لا يحبون الأجانب ولا يختلطون بهم. لكن صديقه المحلاوي الحالم الماركسي المبعد من مصر إلى بيروت، يرى أن مكتب الحزب الشيوعي في مدينة (ن) هو أوروبا الحقيقية، وأوروبا الحقيقة هي، رغم كل شيء، الأمل. ولا يعني المحلاوي العلم أو الحضارة، بل الإنسانية، ومع هذه الإشارات إلى الفضاء الروائي وإلى المدينة الروائية في رواية (الحب في المنفى)، تأتي طوبوغرافيتها باقتصاد، ليظل السؤال قائماً عن علّة اللاتعيين فيها، إلا أن تكون التقية التي استدعتها السيرية. لكن علة التقية خارج ـ نصيّة، ما يدفع بالسؤال عن جدوى اشتغال استراتيجية اللاتعيين في هذه الرواية.
2 ـ مؤنس الرزاز: سلطان النوم وزرقاء اليمامة
تتسمّى المدينة الروائية في رواية مؤنس الرزاز (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) (7) بـ (شبه مدينة الضاد) ويرد الاسم أحياناً: مدينة الضاد. ومعظم سكان هذه المدينة ـ أو عالم الضاد، بحسب بعضهم، كما تذكر الرواية ـ هم أشخاص غير عاديين. وحول هذا العالم أو هذه المدينة تقوم الصحارى وبحر الظلمات، وإليه (إليها) لجأ السياسي السوري صلاح البيطار ـ اغتيل منذ سنوات ـ والشاعر العراقي سعدي يوسف والروائي الأردني غالب هلسا.. أي إن شخصيات واقعية ـ حقيقية قضت جزءاً من حياتها في مدينة الضاد. وبرسم ما يحيط عالم الضاد جغرافياً كما تقدم، وبما سيلي ما تكتب الرواية من أحداثه والعلاقات، سينجلي عالم الضاد عن العالم العربي، ويتلخص في تلك المدينة الروائية التي ينادي اسمها واسم ذلك العالم اللغة العربية: لغة الضاد.
منذ البداية تنص الرواية على أن عالم الضاد ليس الخريطة، لكنه عالم منطقي وعقلاني وواقعي ولا يشبه عالم كافكا. وبمثل هذا اللعب ترمح المخيلة وهي تدفع إلى المدينة الروائية، بلا طوبوغرافيا تذكر، بعلاء الدين ومارده وبروميو وجولييت والروائي ميم ـ الحرف الأول من اسم مؤنس الرزاز ـ وبزرقاء اليمامة والمخرج الهوليودي وتلك الشخصية المرموقة في المدينة: بئر الأسرار..
والمخيلة الرامحة تطمح إلى أن تكتب ألف رواية ورواية في حكاية، كما تنصّ (سلطان النوم..) منذ البداية، وهي تسلم الحديث إلى سلطان النوم الذي يتواتر حضوره في روايات أخرى لمؤنس الرزاز.
ففي رواية (حين تستيقظ الأحلام ـ 1997)، وبحضور قوي للملمح الكافكاوي في تسمية الشخصيات بالحروف، تقوم (سلطنة المنام) وعلى رأسها (سلطان المنام). وقبل ذلك، وفي رواية (فاصلة في آخر السطر ـ 1995) ينهض (سلطان النوم) كأقوى ضروب السلطة سطوة، والراوي يمارس سلطة ضحية سلطان النوم. وفي هاتين الروايتين، كما في رواية (سلطان النوم وزرقاء اليمامة)، وفي سائر روايات مؤنس الرزاز، لا ينقطع النفخ في الصُّوْر نذيراً بالكارثة المحتومة، التي تتسمّى في رواية (سلطان النوم..) بعاصفة العجاج، وإعصار العجاج. لكن أحداً من نزلاء عالم الضاد الخارقين لا يصغي إلى النذير. وبالقرائن الروائية ـ وأقلها مراسلو السي. إن. إن ـ تتعيّن عاصفة ـ إعصار ـ العجاج بعاصفة الصحراء /حرب الخليج الثانية، فيتعين الزمن الروائي، الذي تعوض محمولاته افتقاد المدينة الروائية للطوبوغرافيا.
من الإنذار بالكارثة المحتومة إلى وقوع الكارثة، تمضي رواية (سلطان النوم…) إلى المستقبل، في نبوءة بئر الأسرار إذ يخاطب زرقاء اليمامة: “انظري: هذا ما سوف يكون في مدينة الضاد.
كان المشهد مرعباً. شبه مدينة الضاد تحت هيمنة التصحر الكامل. لا ورقة خضراء، ولا عين ماء، وأشباح تسكن المقابر”.
من سلطان النوم تتزوج زرقاء اليمامة. وعندما يضرب الناس عن النوم تقترح تبديل (السياسة المنامية) ومصادرة الحلم من النوم، دفعاً للناس إلى مواجهة العالم الواقعي. لكن الناس ينقلون مناماتهم إلى العلن، فتشهد المدينة أعظم أيامها نكراً، وتطلب زرقاء اليمامة نفيها من سلطنة النوم إلى شبه مدينة الضاد، والسلطنة إذاً هي غير شبه المدينة أو المدينة. لكن ذلك التفريق لا يختلف عن التوحيد في اللعبة الروائية.
إبا










